
في بعض الأيام، أفتح هاتفي من غير أن أنتظر رسالة محددة. لا أبحث عن كلمة، ولا عن اعتذار، ولا عن عودة. أبحث فقط عن أثر صغير يثبت أن ما كان في قلبي لم يتحول بهذه السرعة إلى شيء انتهى. ثم أغلق الهاتف وأدرك أنني لا أفتقد حديثاً بعينه بقدر ما أفتقد ذلك الشعور الذي كان يرافقه: أن هناك مساحة في يومي يمكن أن يشاركها شخص قريب، وأن بعض ما أحمله في صدري قد لا يبقى لي وحدي.
لم تكن النهاية صاخبة. لم يكن هناك باب أُغلق بعنف، ولا كلمات قاسية تصلح لأن أعلّق عليها كل الألم. كان في داخلي انتظار طال، ومسافة بدأت تتسع بين ما كنت أرجوه وما صار واقعاً. ثم وجدت نفسي، بهدوء لا يشبه ما في داخلي، أمام حقيقة لم أكن مستعداً لها: ما كان أملاً في قلبي أصبح ذكرى. وهذا ما لم أستطع تخطيه بسهولة.
ما كان أملاً في قلبي أصبح ذكرى
ليس لأن الذكرى سيئة، بل لأنها كانت يوماً احتمالاً مفتوحاً لحياة ظننت أنها قد تأتي. كانت تمنحني شعوراً بأن في الحياة مساحة يمكن أن أشارك فيها ما لا أقوله عادة، وأن بعض الأيام قد تصبح أخف حين لا أعيشها وحدي. لم تكن الفكرة في لحظة عابرة، بل في المعنى الذي منحته أنا لما كان يتشكل في حياتي، وفي الهدوء الذي تخيلت أنه قد ينمو حوله.
أحياناً لا يبكي الإنسان ما عاشه فقط، بل يبكي ما لم يعشه. لا يحزن دائماً على مناسبة كبيرة ضاعت، بل على أشياء أصغر من ذلك بكثير: حديث عادي في نهاية يوم طويل، سؤال بسيط عن يومه، أو شعور أن هناك من يعرف لماذا كان متعباً قبل أن يشرح. يحزن على تفاصيل لم تتح لها فرصة أن تصبح عادية، وعلى قرب ظل احتمالاً ثم اختفى قبل أن يأخذ مكانه في الحياة.
كنت أظن أن الألم سيكون في الفقد نفسه، ثم اكتشفت أن الألم الأكبر كان في هذا التحول. كيف يمكن لأمل كان حاضراً في التفكير والخطط ودعاء القلب أن يصبح بعد وقت قصير مجرد ذكرى؟ كيف يمكن للأماكن أن تعود مجرد أماكن، وللهاتف أن يتوقف عن حمل ذلك الانتظار الصغير، ولليوم أن يعود إلى عادته القديمة كأن شيئاً لم يكن؟ لا يحدث هذا التحول دفعة واحدة، بل يتسلل ببطء. في البداية تقاومه، ثم تحاول أن تفهمه، ثم تأتي لحظة تدرك فيها أن قلبك ما زال واقفاً عند باب لم يعد يقود إلى شيء.
لم يكن سهلاً أن أقبل أن ما ظننته بداية لم يصل إلى الحياة التي رسمتها له في داخلي. حملت بعض اللحظات أكثر مما تحتمل، وقرأت في القرب وعداً، وفي الاهتمام استقراراً، وفي الانتظار مرحلة مؤقتة ستنتهي. كنت أبحث عن معنى يطمئن قلبي، ولذلك سبقت الواقع بخطوات، وبنيت في داخلي صورة أكبر من المساحة التي كانت موجودة فعلاً.
هذا الإدراك مؤلم، لأنه يعيدني إلى نفسي قبل أن يعيدني إلى الذكرى. هل أحببت ما كان كما هو، أم أحببت الحياة التي تخيلتها حوله؟ وهل كنت أرى المشهد بوضوح، أم كنت أرى ما أحتاجه أنا؟ لا أقول إن ما شعرت به كان وهماً. كان في قلبي صدق، وكانت هناك رغبة حقيقية في أن تبدأ حياة مختلفة، وكانت لحظات جميلة لا أنكرها. لكن القلب، حين يكون متعباً من الوحدة، قد يمنح بعض البدايات معنى أكبر من حجمها، لا لأنه يريد أن يخدع نفسه، بل لأنه يريد أن يصدق أن الراحة ممكنة.
لا نتعلق دائماً بما حدث، بل بما وعدنا أنفسنا أنه سيحدث
وربما يحدث هذا لكثير منا دون أن ينتبه. لا نتعلق دائماً بما حدث، بل بما وعدنا أنفسنا أنه سيحدث. نمنح بعض البدايات اسماً أكبر من حجمها، ونضع فيها شيئاً من تعبنا القديم، ثم نحزن حين لا تستطيع أن تحمل كل ما وضعناه فيها. لذلك لا يكون الوجع كله من الفقد، بل من استعادة الإنسان لنفسه بعد أن وزعها على احتمال لم يكتمل.
ربما كان أصعب ما تعلمته أن الإنسان لا يستطيع أن يبقى معلقاً في احتمال لم يكتمل. ليس لأن النسيان سهل، ولا لأن المشاعر تنتهي بمجرد أن نقرر ذلك، بل لأن القلب يحتاج في وقت ما إلى من يحميه من الانتظار الطويل. يحتاج أن يفهم أن التعلق بأمل قديم لا يعيد الحياة إليه، بل يطيل زمن الفقد فقط.
الذكرى ليست هزيمة
ما زلت لا أتجاوز بسهولة أن ما كان أملاً أصبح ذكرى. وما زالت بعض التفاصيل تسبقني إليه أحياناً، من غير موعد ولا استئذان. لكنني أحاول أن أتعلم أن الذكرى ليست هزيمة، وأن الأمل الذي لم يكتمل لا ينتقص من صدقي، ولا من قيمة ما شعرت به. وربما لا يكون النضج في أن أنسى سريعاً، بل في أن أقبل أن بعض ما تمنيناه لا يصبح حياة، وأن أتركه يمضي من غير أن أنكر ما كان له من أثر في قلبي.