كانت أمي تحذرني من الوقوع في الحب. لم تكن تكرهه، ولا تريده غائباً عن حياتي، لكنها كانت تخاف عليّ منه كما تخاف الأم على طفلها من طريق جميل تعرف أن فيه منعطفات لا يراها. كانت تعرف أنني لا أمر على الناس مروراً خفيفاً، وأنني إذا فتحت لأحد باب قلبي لم أعرف كيف أتركه واقفاً عند العتبة، بل أدخلته إلى الأماكن التي أخفيها عن أكثر الناس، ومنحته من الاهتمام ما يجعل وجوده جزءاً من يومي وغيابه سؤالاً لا ينتهي بسهولة.
كنت أبتسم حين تحذرني، وأظن أن خوفها جزء من خوف الأمهات الذي لا يكبر معه الأبناء في أعينهن مهما تقدم بهم العمر. كنت رجلاً يحمل مسؤوليات كبيرة، ويواجه أزمات لا تحتمل التردد، ويتخذ قرارات تتصل بمصالح أعداد كبيرة من الناس. فكيف تخشى عليّ أمي من شعور لا يُرى، بينما تراني كل يوم واقفاً أمام أمور أشد وضوحاً وأثقل أثراً؟
لكنها كانت تعرف أن القوة التي يراها الناس ليست كل ما فيّ.
كانت تعرف أنني قد أخرج من أزمة كبيرة هادئاً، ثم تهزني كلمة عابرة من شخص قريب. وأنني أستطيع أن أواجه خصماً قوياً، لكنني أعجز أحياناً عن مواجهة إنسان أخشى أن أسبب له الحزن. وكانت تعرف أن ألمي لا يبدأ دائماً مما يفعله الآخرون بي، بل كثيراً ما يبدأ من خوفي أن أكون قد فعلت شيئاً بهم.
أراجع كلماتي بعد أن ينتهي الحديث، وأعيد في ذهني نبرة صوتي، والوقت الذي قلت فيه ما قلت، وما إذا كان الصمت بعده غضباً أم تعباً أم شيئاً لا علاقة لي به. أبحث في الوجوه عن أثر لم أرده، وأحمل نفسي أحياناً مسؤولية مشاعر لم أكن سببها الوحيد. وقد أعتذر أكثر مما يلزم، لا لأنني المخطئ دائماً، بل لأن فكرة أن ينام إنسان حزيناً بسببي تثقل صدري.
هذه الرقة تبدو فضيلة خالصة، ولكن الحياة علمتني أن الفضائل نفسها تحتاج إلى حدود. فالرحمة إذا لم يرافقها وعي قد تتحول إلى شعور دائم بالذنب، والحرص على مشاعر الآخرين قد يصبح إهمالاً لمشاعر النفس، والخوف من ألم قصير قد يدفع الإنسان إلى البقاء طويلاً في ألم أكبر.
لهذا كانت أمي تخاف من الحب عليّ.
فأنا حين أحب لا أراه لحظة جميلة أعيشها ثم أمضي، بل أبدأ سريعاً في البحث عن معناه ومستقبله. قد أرى في لقاء بسيط بداية، وفي الانسجام احتمالاً لحياة، وفي القرب وعداً لم يُقل بعد. أبني في داخلي صورة لما يمكن أن نصبح عليه، ثم أتعلق بالصورة كما أتعلق بالواقع، وربما نسيت أن بين الممكن والحقيقي مسافة لا يعبرها الشعور وحده.
لم أكن أكذب على نفسي، لكنني كنت أسمح للأمل بأن يتقدم على الوقائع. كنت أظن أن صدق النية، ووضوح الرغبة، والاستعداد للعطاء، يمكن أن تعالج ما ينقص الطريق. ولم أفهم دائماً أن العلاقة لا تنجح لأن أحد الطرفين أحب بعمق، ولا لأن قلباً واحداً كان مستعداً للصبر. فالحب، مهما كان صادقاً، لا يستطيع أن يحمل وحده ما يحتاج إلى قلبين واختيارين وإرادتين تتجهان إلى المكان نفسه.
ومع ذلك، كنت أتأخر في الاعتراف بما أراه. أفسر الانتظار على أنه وفاء، وأمنح الوقت مزيداً من الوقت، وأرى التراجع عن الأمل نوعاً من القسوة على نفسي وعلى الآخر. أقول إنني لا أريد أن أضغط، وإنني أحترم المساحة، وإن بعض المشاعر تحتاج إلى الصبر، وقد يكون ذلك صحيحاً في أحيان كثيرة، لكنه لم يكن الحقيقة كاملة دائماً.
أحياناً كنت أخشى النهاية أكثر مما كنت أحمي مشاعر أحد.
وهذا اعتراف لا يقلل من صدق ما شعرت به، لكنه يجعلني أكثر عدلاً مع الحقيقة. فقد يظن الإنسان أنه يبقى لأنه رحيم، بينما يبقى أيضاً لأنه لا يريد أن يخسر الحلم الذي صنعه. وقد يقول إنه يخاف أن يحزن الآخر إذا ابتعد، بينما يكون خائفاً في داخله من الفراغ الذي سيتركه ذلك الابتعاد.
لم يكن الطرف الآخر ملزماً أن يرى ما أراه، ولا أن يشعر بما أشعر به، ولا أن يختارني لمجرد أنني كنت صادقاً. فالصدق في الحب لا يصنع ديناً على أحد، وعمق الشعور لا يمنح صاحبه حقاً في قلب غيره. قد يكون الإنسان واضحاً وكريماً وصادق النية، ثم لا يكون مناسباً لمن أحبه، كما قد يكون محبوباً من شخص لا يستطيع أن يبادله الشعور نفسه.
لكن حقي على نفسي كان أن أرى ذلك في وقته، لا بعد أن يتعب قلبي من الانتظار.
ربما لم تكن مشكلتي أنني أحببت كثيراً، بل أنني لم أضع حدوداً واضحة لما أستطيع احتماله. كنت أخشى أن يكون الانسحاب خذلاناً، وأن يكون التوقف عن المحاولة قسوة، وأن يبدو حفاظي على نفسي كأنه أنانية. ولم أنتبه إلى أن الإنسان قد يظلم نفسه أيضاً، وأن الرحمة التي تشمل الجميع وتستثني صاحبها رحمة ناقصة.
ليس كل حزن نتركه في قلب شخص آخر دليلاً على أننا ظلمناه. قد يحزن الإنسان من حقيقة لم نصنعها، أو من قرار لا بد منه، أو من طريق لم يعد صالحاً للاستمرار. وقد يكون الكلام الواضح مؤلماً، لكنه أرحم من حضور متردد، وأصدق من أمل يعيش على الاحتمالات.
أفهم اليوم لماذا كانت أمي تعرف أن الحب سيكون امتحاناً صعباً لي. لم تكن ترى المستقبل، لكنها كانت تعرف طبيعتي. تعرف أنني أجد الأعذار للناس سريعاً، وأحاسب نفسي طويلاً، وأخاف أن أكسر قلباً ولو بقي قلبي مكسوراً. كانت تخشى أن أستمر في العطاء حتى لا يبقى مني ما أعود به إلى نفسي، وأن أحرس مشاعر من أحب بينما أترك قلبي بلا حراسة.
ولم تكن تريدني قاسياً.
لم تكن وصيتها أن أغلق قلبي، أو أن أشك في كل شعور، أو أن أهرب من الحب قبل أن يبدأ. كانت تريد، بطريقتها، أن أعرف أن القلب الرقيق لا يحميه الصدق وحده، وأن الإنسان يحتاج مع الحب إلى بصيرة ترى الواقع، وحدود تحفظ كرامته، وشجاعة تعترف حين لا يكون الشعور كافياً.
لا أريد أن أفقد رقة قلبي، فهي من أكثر الصفات التي أعرف نفسي بها. لا أريد أن أتوقف عن الاهتمام، أو أن أصبح أقل رحمة خوفاً من الألم. لكنني أريد أن أتعلم أن أحب من غير أن أختفي، وأن أعطي من غير أن أستنزف نفسي، وأن أفرق بين الصبر الذي يبني علاقة، والانتظار الذي يؤجل الاعتراف بالحقيقة.
كانت أمي تعرفني قبل أن أعرف هذا كله عن نفسي. وحين كانت تحذرني من الحب، لم تكن تقول لي: لا تحب.
كانت تخشى فقط أن أحب إنساناً، ثم أنسى أن قلبي يحتاج إلى من يرحمه أيضاً.