استرقت السمع اليوم إلى حديث بين موظفتين تعملان في المجموعة التي أقودها. كانت إحداهما تشرح للأخرى تفاصيل طرح المناقصات وإدارتها، وتتحدث ببساطة عن الخطوات التي يجب اتباعها، وما الذي ينبغي التأكد منه، ولماذا تعد هذه المرحلة مهمة في التخطيط للمشاريع وتنفيذها.
كان الحديث يأتي من غرفة الاجتماعات المجاورة لمكتبي. حين انتقلت إلى هذا المكتب، اقترحت مساعدتي أن نغيّر مكان الغرفة لأنها ستكون مصدر إزعاج لي. رفضت. وأصررت أيضاً على أن يبقى باب مكتبي مفتوحاً معظم الوقت. أحب أن أعيش وسط نقاشات فريقي، وأن أسمع أسئلتهم واختلافاتهم وحديثهم اليومي. وكثير منهم في عمر أبنائي.
واليوم كنت سعيداً بذلك القرار.
لم يكن في الحديث الذي سمعته شيء استثنائي. موظفة تعرف عملها، وتشرح لزميلتها ما تعرفه. لكنني وجدت نفسي أستمع إليها، ثم بدأت أفكر في شيء آخر تماماً: ربما ظلمت بعض من عملوا معي طوال سنوات عملي.
ربما ظلمتهم، لا بما فعلته بهم، بل بما توقعته منهم. توقعت أحياناً أن يعرفوا أشياء لم أعلّمهم إياها، وأن يفهموا أموراً أصبحت بالنسبة لي بديهية، مع أنها لم تكن كذلك عندما بدأت أنا.
طوال حياتي العملية كنت محاطاً بزملاء ذوي خبرة، وتعلمت من أشخاص يملكون قدراً كبيراً من المعرفة. ثم قادتني السنوات إلى أن يعمل معي أيضاً أشخاص متمرسون في مجالاتهم. ومع الوقت تأصل في ذهني مستوى معين من المعرفة أصبحت أتوقع، من غير أن أشعر، أن يبدأ منه من يعمل معي.
نسيت أن الموظف لا يبدأ من حيث وصلت أنا.
وأن ما أراه اليوم بسيطاً ربما احتجت إلى سنوات حتى يصبح بسيطاً في عيني. وأن السؤال الذي قد يبدو لي أولياً ربما يكون بداية فهم كامل لموظف يرى هذا العمل للمرة الأولى. خبرتي لم تولد معي، ولم أصل إليها وحدي. كانت وراءها سنوات من العمل، وأخطاء ارتكبتها، ومواقف مررت بها، وأشخاص جلسوا معي يوماً وشرحوا لي ما لم أكن أعرفه.
وأنا أستمع إلى الموظفة وهي تشرح لزميلتها، لم يكن أكثر ما أسعدني أنها تعرف إجراءات المناقصات. أسعدني أنها تشرح ما تعرفه. ستخرج زميلتها من تلك الغرفة وهي تعرف أكثر مما كانت تعرف حين دخلتها، وربما يأتي يوم تجلس فيه هي أمام موظف آخر لتشرح له ما تعلمته اليوم.
عندها سألت نفسي سؤالاً كان ينبغي أن أسأله منذ زمن: كم مرة أعطيت موظفاً مهمة قبل أن أعطيه ما يكفي من المعرفة لإنجازها؟ وكم مرة رأيت نقصاً في أدائه قبل أن أفكر في نصيبي أنا من ذلك النقص؟
قد أكون في مراحل سابقة أسرع في إعطاء المسؤولية من إعطاء المعرفة. أشرح ما أريد، وأفترض أن الطريق إليه معروف. فإذا جاءت النتيجة دون توقعاتي، رأيت الفجوة في أداء الموظف، ولم أتوقف دائماً لأسأل إن كنت قد منحته فعلاً ما يحتاج إليه كي ينجح.
كم مرة أعطيت موظفاً مهمة قبل أن أعطيه ما يكفي من المعرفة لإنجازها؟ وكم مرة رأيت نقصاً في أدائه قبل أن أفكر في نصيبي أنا من ذلك النقص؟
الخبرة الطويلة تمنح القائد الكثير، لكنها قد تضعف ذاكرته عن البدايات. ينسى أول اجتماع لم يفهم فيه كل ما قيل. وينسى المهمة التي لم يعرف من أين يبدأها. وينسى أن كثيراً مما يسميه اليوم «بديهيات» كان في يوم من الأيام معرفة جديدة عليه.
من التجربة إلى القيادة
حين تصبح الثقة مسؤولية منقوصة
جعلني هذا الموقف أعيد التفكير في الطريقة التي أعطي بها المسؤولية لمن يعمل معي. كنت أرى أن من واجبي أن أثق بالموظف، وأن أعطيه مساحة يعمل فيها من دون أن أقف فوق رأسه. وما زلت أؤمن بذلك، لكنني أدركت أنني قد أعطيه أحياناً المسؤولية قبل أن أعطيه ما يحتاج إليه حتى ينجح فيها.
وهذه ليست مسؤولية الموظف وحده. أنا أيضاً أحتاج إلى أن أتطور كقائد.
أن يتذكر القائد بداياته
كلما زادت خبرتي، أصبحت أشياء كثيرة بديهية في نظري: أعرف متى أسأل، وأين أبحث، ومتى أقلق، ومن أستشير. لكنني تعلمت كل ذلك على مدى سنوات، ومن غير العدل أن أنسى تلك السنوات عندما أنظر إلى موظف في بداية طريقه.
ربما تكون إحدى المهارات التي يحتاجها القائد مع مرور السنوات أن يتذكر كيف كان في بداياته. أن يعرف من يحتاج إلى شرح، ومن يحتاج إلى فرصة، ومن أصبح الشرح الزائد يحرمه من فرصة أن يكتشف بنفسه. فالتطوير لا يعني أن أمسك بيد الموظف في كل خطوة، كما أن تركه وحده ليس دائماً تمكيناً.
حين يبني الفريق نفسه بنفسه
والأهم أن التعلم لا ينبغي أن يتوقف عند القائد. ما أسعدني في الغرفة المجاورة أنني لم أكن أنا من يشرح. موظفة تعلمت شيئاً في وقت سابق، وها هي اليوم تشرحه لزميلتها. والفريق الذي يصل إلى هذه المرحلة يبدأ في بناء نفسه بنفسه.
فالتطوير لا يعني أن أمسك بيد الموظف في كل خطوة، كما أن تركه وحده ليس دائماً تمكيناً.
وهذا ما أريد أن أراه أيضاً فيمن سيحملون المسؤولية بعدنا. لا يكفيني أن يكون الموظف خبيراً في عمله أو سريعاً في الإنجاز. أريد أن أرى أثر خبرته فيمن حوله. هل يجعلهم أكثر قدرة؟ هل يشرح لهم ما يعرفه؟ وهل يأتي يوم يصبح فيه من علّمه اليوم قادراً على أن يعلّم غيره؟
انتهى الحديث في الغرفة المجاورة، وعاد الهدوء إلى الممر. بقي باب مكتبي مفتوحاً كما هو.
أما أنا، فقد خرجت من حديث لم أكن طرفاً فيه وأنا أفكر في الذين عملوا معي طوال هذه السنوات، وفي أشياء كثيرة ظننت أنها بديهية، ولم تكن كذلك إلا لأن أحداً ما علّمني إياها يوماً.
هل يجعلهم أكثر قدرة؟ هل يشرح لهم ما يعرفه؟ وهل يأتي يوم يصبح فيه من علّمه اليوم قادراً على أن يعلّم غيره؟