هل ينتقل نجاح القائد معه؟

في أكثر من انتقال قيادي تابعته، كان المشهد يبدأ بطريقة متشابهة. يصل قائد جديد إلى جهة ما وتسبقه سمعته. يعرف الناس أين عمل، وما الذي أنجزه، وكيف استطاع أن يحقق نتائج لافتة في وقت قصير. وغالباً ما يكون اختياره للموقع الجديد نتيجة لذلك النجاح، فتستقبله المنظمة بتوقعات عالية، وينتظر الجميع أن يروا ما الذي سيفعله هذه المرة.

ومع الأيام الأولى تبدأ القرارات.

لاحظت عند بعض القادة أن أول ما يتغير هو النظرة إلى ما سبقهم. مشروعات كانت تعد ناجحة تصبح أقل قيمة، وأنظمة يعاد النظر فيها، وفرق يعاد تشكيلها، وبعض ما بني خلال سنوات يوضع جانباً بسرعة. ثم يبدأ البناء من جديد، وقد تعود بعض الأفكار السابقة بعد مدة باسم آخر أو بصورة مختلفة.

لا أستطيع أن أنسب هذا السلوك إلى نية واحدة. قد يرى القائد الجديد عيوباً لم يعد من عاش طويلاً داخل المنظمة يلاحظها. وقد تكون المرحلة مختلفة وتحتاج إلى قرارات جديدة. وبعض ما وجده قد يستحق فعلاً أن يتوقف.

لكنني كنت أتوقف عند سرعة الحكم.

فالمنظمة التي يصل إليها القائد لم تبدأ يوم وصوله. أمامه أشخاص عاشوا تفاصيلها، وقرارات اتخذت لأسباب قد لا تظهر في عرض تقديمي، وتجارب نجحت وأخرى أخفقت، ومعرفة تراكمت في الناس وفي طريقة عملهم.

ومن السهل على القادم الجديد أن يرى ما ينقص المكان. الأصعب أن يعرف ما يستحق أن يبقى قبل أن يبدأ بتغييره.

ثم لاحظت شيئاً آخر بدا لي مع الوقت أكثر أهمية.

يأتي بعض القادة إلى مواقعهم الجديدة بعد سنوات من العمل مع فريق يعرفهم جيداً. نشأت بينهم طريقة خاصة في العمل. أحدهم يفهم المقصود من جملة قصيرة، وآخر يعرف متى يتصرف وحده ومتى يعود إلى القائد، وثالث يعرف الأولويات قبل أن تشرح له بالتفصيل.

هذا التفاهم جميل، وهو أحد مكاسب العمل الطويل مع فريق جيد. لكنه لم يظهر فجأة. صنعته سنوات من العمل، والأخطاء، والنقاش، والثقة، ومعرفة كل شخص بطريقة الآخر.

وحين يصل الفريق إلى هذه المرحلة، تبدو القيادة أسهل مما كانت عليه في بدايتها. المهام تنتقل بسرعة، والاجتماعات أقصر، والنتائج تأتي قريبة مما يتوقعه القائد. وبعد مدة قد ينسى الجميع مقدار الوقت الذي احتاجوه للوصول إلى هذه الدرجة من الفهم.

ثم ينتقل القائد وحده إلى مكان جديد.

فجأة لا تكفي الجملة القصيرة.

يسند مهمة بالطريقة التي اعتاد عليها، ثم يعود إليه العمل بصورة مختلفة. يعطي توجيهاً يراه واضحاً، بينما يفهمه الفريق الجديد بطريقة أخرى. ينتظر من أحدهم أن يتحرك من تلقاء نفسه، فينتظر الموظف مزيداً من التوجيه. ويستغرب أن أمراً كان ينجز سريعاً في موقعه السابق أصبح يحتاج إلى وقت أطول.

وهنا يبدأ الحكم على الأشخاص.

الفريق بطيء. المبادرة ضعيفة. مستوى الموظفين أقل مما اعتاد عليه.

وقد يكون بعض ذلك صحيحاً. لكن هناك شيئاً آخر يجب ألا يغيب عن القائد: فريقه السابق لم يولد وهو يعرف طريقته. لقد تعلمها.

عرف أفراده ما الذي يهمه، ومتى يريد التفاصيل، وحدود التفويض لديه، وما الذي يقبل فيه الخطأ، وما الذي لا يقبل فيه التأخير. تكون ذلك كله مع الزمن، بينما يطلب أحياناً من الفريق الجديد أن يصل إلى النتيجة نفسها خلال أشهر قليلة.

وعندما لا يحدث ذلك، يظهر الحل الأسرع.

يأتي شخص من الفريق السابق.

وجوده مريح. يعرف القائد ويعرف طريقة عمله. ثم يأتي آخر لمهمة مهمة، وبعده ثالث.

ولا أرى أن استقطاب أشخاص سبق للقائد العمل معهم خطأ في ذاته. من الطبيعي أن يثق الإنسان بمن جرب قدرته، وقد تكون المنظمة الجديدة محتاجة فعلاً إلى خبرات لا تملكها. المشكلة تبدأ عندما يصبح جلب الفريق القديم هو الوسيلة الأساسية لكي يستطيع القائد العمل في المكان الجديد.

عندها يحتاج إلى أن يكون صريحاً مع نفسه.

قد تكون المنظمة محتاجة إلى ذلك الشخص فعلاً. وقد يكون القائد هو الذي يحتاج إلى شخص يفهمه من دون كثير شرح.

وهناك فرق كبير بين الحالتين.

رأيت كيف يمكن لمجموعة صغيرة تعرف القائد أن تصبح سريعاً مركز العمل في المنظمة الجديدة. يثق بهم لأنه اختبرهم، ويسند إليهم الأعمال الأصعب، ويستشيرهم أكثر. وهم يفهمونه أسرع من غيرهم، فتأتي نتائجهم بالطريقة التي اعتاد عليها.

وفي الجهة الأخرى يجلس أشخاص يعرفون المنظمة منذ سنوات. يعرفون لماذا اتخذ قرار قديم، ولماذا فشلت محاولة سابقة، ومن أين تأتي المقاومة، وما الذي يستطيع القائد تغييره بسرعة، وما الذي يحتاج إلى وقت. قد تكون لديهم معرفة لا تظهر في السيرة الذاتية، لكنها تختصر على المنظمة سنوات من التجربة.

إذا لم يحصل هؤلاء على فرصة حقيقية، تبدأ خسارتهم قبل أن يقدموا استقالاتهم.

يبقى الموظف في مكتبه ويؤدي عمله، لكنه يقلل من مبادرته. يتوقف عن اقتراح بعض الأفكار. ويشعر أن الوصول إلى ثقة القائد يحتاج إلى تاريخ لم تتح له فرصة أن يكون جزءاً منه.

وفي الجهة التي غادرها القائد قد تحدث خسارة أخرى. فإذا بدأ باستقطاب أفضل من عملوا معه واحداً بعد الآخر، فإنه يسحب جزءاً من الفريق الذي أسهم أصلاً في النجاح الذي بنى سمعته.

وهكذا قد تدفع جهتان ثمن انتقال قائد واحد. الأولى تفقد بعض كفاءاتها، والثانية لا تستفيد كما ينبغي من الكفاءات الموجودة لديها.

ولهذا أصبحت أتوقف عند العبارة التي نسمعها كثيراً: «هذا فريقه».

فيها جانب جميل. أن يختار أشخاص العمل مع قائد مرة أخرى قد يدل على ثقتهم به وعلى تجربة جيدة جمعتهم. لكن العبارة تترك عندي سؤالاً آخر: ماذا يحدث لو لم يكن هؤلاء معه؟

فنجاح القائد مع مجموعة واحدة يثبت أنه استطاع بناء فريق ناجح، لكنه لا يخبرنا بكل شيء عن قدرته على القيادة في مكان آخر.

الاختبار الجديد يبدأ حين يجد أمامه أشخاصاً لم يخترهم، وثقافة لم يصنعها، وتاريخاً لم يكن جزءاً منه، ثم يستطيع أن يفهمهم ويجعلهم يفهمونه، ويكتشف قدراتهم، ويبني معهم طريقة عمل جديدة.

فنجاح القائد مع مجموعة واحدة يثبت أنه استطاع بناء فريق ناجح، لكنه لا يخبرنا بكل شيء عن قدرته على القيادة في مكان آخر.

وهنا تظهر أيضاً مسؤولية المنظمة.


من التجربة إلى القيادة

كنت في البداية أنظر إلى هذه المسألة بوصفها اختباراً للقائد الجديد. لكن كلما فكرت فيها، رأيت أن جزءاً مهماً منها يبدأ قبل انتقاله بسنوات، داخل المنظمة التي نجح فيها.

النجاح الحالي قد يخفي هشاشة لا تظهر إلا بعد رحيل القائد

فالنجاح المبهر قد يخفي ضعفاً لا يظهر ما دام القائد موجوداً.

تنجح النتائج، فتزيد المنظمة اعتمادها عليه. تسند إليه الأعمال الأصعب، وتجمع حوله أفضل الأشخاص، وتمنحه مساحة أكبر للحركة. وكل ذلك مفهوم. لكن الخطر أن تصبح قدرات المنظمة مع الوقت مرتبطة بهذا القائد ومجموعة محددة حوله.

ثم يأتي يوم يغادر فيه.

عندها فقط نكتشف كم بقي من نجاحه داخل المكان.

التطوير الحقيقي يحدث في المواقف، لا في قاعة التدريب

وهذا جعلني أرى تطوير القيادات بطريقة مختلفة. فالمنظمة لا يكفي أن تطور القائد الذي تحتاجه اليوم. عليها أن تبني، طوال الوقت، القادة الذين ستحتاجهم غداً.

والدورات التدريبية جزء من ذلك، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع قائداً.

ما درسته في تطوير القيادة يؤكد شيئاً شاهدته في العمل مراراً: كثير من القيادة يتعلم في المواقف الحقيقية. يتسلم الشخص مسؤولية لم يعرفها من قبل، يواجه فريقاً جديداً، يعمل مع جهة لا يملك عليها سلطة، يحاول إحداث تغيير، يتعثر في موقف، ثم يعود ليفكر فيما حدث ويجرب في المرة التالية بطريقة مختلفة.

هناك تتحول التجربة إلى تعلم.

أما تكرار العمل نفسه سنوات طويلة فلا يضمن ذلك. قد يخرج الإنسان من عشر سنوات بخبرة عميقة، وقد يخرج بعام واحد كرره عشر مرات.

ولهذا تحتاج المنظمة إلى أن تقصد تطوير قادتها، لا أن تنتظر أن يحدث وحده.

تعطي القائد القادم مهمة أصعب قليلاً مما اعتاد. تنقله إلى عمل جديد قبل أن يصبح بقاؤه في مكانه مريحاً أكثر مما ينبغي. تجعله يقود مشروعاً يحتاج إلى التعاون مع إدارات أخرى، أو يعمل مع أشخاص لا يتبعون له، أو يتحمل مسؤولية نتيجة لا يستطيع الوصول إليها بالأمر المباشر.

هذه المواقف تعلمه أشياء يصعب أن يتعلمها في القاعة.

الثقة والإرشاد المهني يحتاجان إلى وقت

ويتطور أيضاً حين يعمل قريباً من قائد أكثر خبرة. يراه في المواقف الصعبة، ويسمع كيف يناقش، وكيف يختلف، وكيف يتراجع عن رأي عندما يكتشف أنه أخطأ. ثم يجد بعد ذلك شخصاً يستطيع أن يسأله عما لم يفهمه.

ولهذا أرى قيمة كبيرة للإرشاد المهني عندما يكون علاقة حقيقية تمتد مع الوقت، لا اجتماعاً دورياً يضاف إلى جدول الأعمال.

كما أن الثقة بين القادة نفسها تحتاج إلى وقت. العلاقات التي تجعل الناس يعملون معاً بسرعة في الأزمات لا يمكن أن تمنحها المنظمة بقرار، ولا يستطيع قائد أن يحملها معه في حقيبته إلى مكان جديد. تبنى عندما يعمل الناس معاً مرات كثيرة، ويعرف كل منهم ما يستطيع الآخر فعله، ويطمئن إلى كلمته وإلى طريقته في العمل.

وهذا يجعل تطوير القيادة مسؤولية أوسع من تطوير أفراد مميزين.

فالمنظمة القوية لا تملك قائداً واحداً ممتازاً وعدداً كبيراً من التابعين له. لديها أكثر من شخص يستطيع حمل المسؤولية، وبين هؤلاء القادة معرفة وثقة وعلاقات تجعل العمل يستمر حتى عندما يتغير أحدهم.

على القائد نفسه أن يقبل شيئاً من البطء

ومن هنا أعود إلى القائد الناجح نفسه.

قد يكون أسرع له أن يحتفظ بأصعب القرارات في يده. وقد يكون أسهل أن يسند المهمة المهمة إلى الشخص الذي جربه عشر مرات. وستكون النتائج في كثير من الأحيان أفضل على المدى القصير.

لكن تطوير القادة يطلب منه أحياناً أن يقبل شيئاً من البطء.

أن يعطي شخصاً آخر فرصة أن يتخذ القرار. أن يسمح له بأن يجرب، وأن يخطئ خطأ يمكن احتماله، ثم يناقشه فيما حدث. وأن يدخل أشخاصاً جدد إلى المواقف التي كان يحتفظ بها لدائرته القريبة.

مسؤولية الإدارة العليا في النظر خلف النتائج

فالمنظمة التي لا ترى أحداً قادراً على خلافة قائدها المميز ربما لم تكن أمام مشكلة في المواهب بقدر ما كانت أمام سنوات ضاعت من دون أن تعطي الآخرين فرصة كافية للنمو.

وهنا تقع مسؤولية على الإدارة العليا أيضاً.

حين ترى قائداً يحقق نتائج استثنائية، يجب ألا يعميها إعجابها بالنتيجة عن النظر إلى ما يحدث خلفها. عليها أن تسأل عن القادة الذين ينمون حوله، وعن مقدار المعرفة التي انتقلت إليهم، وعن الأعمال التي أصبحوا قادرين على القيام بها من دونه.

فالنجاح الحالي مهم، لكن استمراره أهم.

وقد يكون أجمل ما يتركه القائد في مكان ما مشروعاً ناجحاً أو رقماً لافتاً. لكن هناك شيئاً آخر يستحق أن ننظر إليه: الأشخاص الذين أصبحوا بعد العمل معه أقدر على حمل مسؤوليات لم يكونوا مستعدين لها من قبل.

وعندما ينتقل القائد إلى موقع آخر، لا ينبغي أن نرى خلفه فراغاً كبيراً ينتظر قائداً جديداً ليعيد بناء كل شيء من البداية.

يجب أن يكون هناك من يعرف الطريق، ومن تعلم خلال السنوات الماضية، ومن أصبح مستعداً لأن يحمل المشعل بعده.

عندها يكون نجاح القائد قد بقي في المنظمة، حتى بعد أن غادرها.

اترك رد

Scroll to Top

اكتشاف المزيد من رجل ذو قلب خاص

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة