وحدة القائد تبدأ حين يصمت من حوله

لا تزال في ذاكرتي غرفتان للاجتماعات، عرفتهما في مرحلتين مختلفتين من حياتي المهنية. دخلت إحداهما وأنا أحد قادة المنظومة، أشارك في النقاش وأرى عن قرب كيف يصنع حضور الرئيس طريقة حديث من حوله. أما الأخرى فقد عرفتها قبل ذلك بسنوات، حين كنت في بداية مسيرتي، أجلس دائماً خلف مديري، وأراقب من مكاني رجالاً يختلفون بشدة، ثم يخرجون من الغرفة وكأن شيئاً لم يفسد ما بينهم.

في التجربة الأولى، كان الرئيس صاحب سطوة كبيرة، وكان يتعامل مع معظم موضوعات العمل بوصفه الخبير فيها. له رأي في كل حادث، وملاحظة على كل قرار، وتفسير لما وقع وما ينبغي أن يقع بعده. وربما كان يعتقد، بحسن نية، أن خبرته الطويلة تلزمه بالتدخل، وأن إبداء رأيه في كل تفصيل يحمي العمل والموظفين من الخطأ. لا أستطيع أن أجزم بما كان في نفسه، لكنني كنت، بحكم موقعي القيادي، أرى بوضوح أثر طريقته في القادة والموظفين من حوله.

كان رأيه يصل إلى الغرفة مبكراً، وأحياناً قبل أن يحصل المختصون على فرصة كاملة لعرض ما لديهم. وكان في حديثه من الحدة ما يجعل مخالفته أصعب من مجرد اختلاف مهني. لم يكن الموظف يحتاج إلى عقوبة صريحة حتى يتعلم الصمت؛ فقد تكفي مقاطعة حادة، أو عبارة تقلل من رأي، أو نظرة توحي بأن النقاش قد انتهى قبل أن يبدأ. ومع الوقت، لم يعد السؤال الذي يدور في بعض الأذهان: ما القرار الصحيح؟ بل أصبح: ما الرأي الذي يمكن قوله بأمان؟

كنت أرى خبرات حقيقية تجلس حول الطاولة، لكنها لا تصل كاملة إلى صاحب القرار: معلومة يكتمها أحدهم، أو خطر يراه آخر ولا يبوح به، أو افتراض خاطئ يعرفه ثالث ولا يصححه. فالصمت لم يكن يعني الاقتناع، ولا كانت الموافقة دليلاً على جودة القرار؛ وقد بدا الإجماع كاملاً أحياناً، لكنه كان غالباً ثمرة خوف أو رغبة في إنهاء الاجتماع، لا ثمرة نقاش مكتمل. وهكذا كان الرئيس يظن أنه يحمي الجميع بخبرته، بينما يحرم نفسه، من حيث لا يشعر، من أهم ما يحتاج إليه قبل أن يقرر: الحقيقة كما يراها الآخرون، لا كما يظنون أنه يريد سماعها.

الحقيقة كما يراها الآخرون، لا كما يظنون أنه يريد سماعها

أما الغرفة الثانية، فقد عرفتها في مرحلة أسبق من حياتي المهنية. كنت يومها موظفاً في بداية الطريق، أحضر الاجتماعات مع مديري وأجلس خلفه، أراقب أكثر مما أتكلم. وكانت غرفة اجتماعات الرئيس التنفيذي تعج بنقاشات حادة بين القادة. تتعارض الآراء بوضوح، ويتمسك كل مسؤول بموقفه، وقد ترتفع الأصوات أحياناً حتى أخشى أن ينتهي الاجتماع بخصومة، أو أن يدفع أحدهم ثمن ما قاله، أو أن تبقى آثار تلك المواجهة بينهم بعد أن يغادروا الغرفة.

لكن ما كان يحدث في نهاية الاجتماع هو ما ظل عالقاً في ذاكرتي. كان النقاش ينتهي، ويتضح القرار، ويعرف الجميع من المسؤول عن تنفيذه، ثم يغادر الحاضرون بأريحية لا تشبه العاصفة التي دارت قبل دقائق. لم يكن كل واحد منهم قد حصل على ما يريد، ولم يكن القرار دائماً محل اتفاق كامل، لكنهم كانوا يعرفون أن الاختلاف قبل القرار جزء من مسؤوليتهم، وأن احترامه بعد صدوره جزء آخر منها.

كنت في ذلك الوقت أتعلم بالمشاهدة. لم أملك سلطة القرار، ولم أكن من أصحاب الأصوات الأعلى في الغرفة، لكنني رأيت مبكراً أن الخلاف المهني لا يفسد العلاقة بالضرورة، وأن القائد الواثق لا يحتاج إلى إخماد الآراء حتى يثبت سلطته. وبعد سنوات، حين أصبحت في موقع القيادة، أدركت قيمة ما رأيته في تلك الغرفة، وأدركت أيضاً كم يكون القائد وحيداً عندما يختار من حوله السلامة بدلاً من الصراحة.

وهناك فهمت أن هدوء الاجتماع ليس دائماً علامة صحة، كما أن حدة النقاش ليست فضيلة في ذاتها. فارتفاع الصوت قد يكون سلوكاً يحتاج إلى تهذيب، وقد يطغى أحياناً على قوة الحجة. لكن الفرق الحقيقي بين الغرفتين لم يكن في مقدار الضجيج، بل في مقدار الأمان. في الأولى كان بعض الحاضرين يخشون أثر مخالفة الرئيس، وفي الثانية كان القادة يستطيعون أن يختلفوا معه ومع بعضهم، ثم يحتفظ كل واحد منهم بمكانته ومسؤوليته.

القائد لا يصبح وحيداً عندما يقل عدد الأشخاص من حوله، بل عندما يقل عدد القادرين على مصارحته. قد تكون غرفته ممتلئة بالمديرين والمستشارين، وقد تصله العروض والتقارير من كل اتجاه، لكنه يظل وحيداً إذا كانت المعلومات تصل إليه بعد أن تهذب لتوافق رأيه، وإذا كان كل من حوله يعرف ما يحب سماعه ولا يجرؤ على إخباره بما يحتاج إلى سماعه.

القائد لا يصبح وحيداً عندما يقل عدد الأشخاص من حوله، بل عندما يقل عدد القادرين على مصارحته

وتزداد خطورة هذه الوحدة لأنها لا تظهر للقائد على هيئة عزلة، بل على هيئة اتفاق. يسمع فكرته تتكرر بأصوات متعددة، فيظن أن الجميع وصلوا إليها بعد التفكير، بينما قد يكونون قد وصلوا فقط إلى أن معارضتها ليست آمنة. وكلما تكرر ذلك، ازداد اطمئنانه إلى صواب رأيه، وقلت قدرة المؤسسة على كشف أخطائه قبل أن تتحول إلى نتائج.

ومع ذلك، فإن فتح باب النقاش لا يعني أن تتحول المنظمة إلى ديمقراطية بلا نهاية، أو أن يصبح كل قرار رهناً برضا جميع المشاركين. ليست كل الآراء متساوية في المعرفة، وليس التصويت بديلاً دائماً عن المسؤولية. قد يستمع الرئيس إلى الجميع ثم يختار رأياً لا يفضله أكثر الحاضرين، وهذا من حقه ما دام هو صاحب القرار، وما دام مستعداً لتحمل تبعاته.

كما أن المشاورة لا ينبغي أن تكون وسيلة لتوزيع المسؤولية حتى تضيع بين الجميع. قد يستمع القائد إلى آراء كثيرة، ثم ينسب القرار إلى الفريق كله حتى يخفف عن نفسه المحاسبة إذا أخفق. لكن المشاركة في التفكير لا تلغي مسؤولية صاحب الصلاحية. من حق القائد أن يستفيد من عقول فريقه، وليس من حقه أن يختبئ خلفهم.

وفي المقابل، فإن احترام القرار النهائي شرط لاستمرار النقاش المفتوح. من حق الموظف والقائد أن يعارضا بوضوح قبل اعتماد القرار، وأن يشرحا مخاطره ويعرضا البدائل. لكن بعد صدوره، ما دام نظامياً وأخلاقياً، يصبح الالتزام به جزءاً من الأمانة المهنية. فالمنظمة لا تستطيع أن تعمل إذا استمر كل شخص في تنفيذ رأيه الخاص بعد انتهاء النقاش.

لقد علمتني الغرفتان أن القائد لا يحتاج إلى فريق يثبت له كل يوم أنه الأكثر معرفة، بل إلى فريق يضيف إلى معرفته ما ينقصها، ويرى ما لا يراه، وينبهه إلى ما قد تحجبه عنه ثقته أو حماسه أو خبرته السابقة. ولن يحصل على هذا الفريق بمجرد أن يقول إن بابه مفتوح، بل عندما يرى الموظفون أن من يخالفه لا يخسر مكانته، وأن من يكشف ضعف القرار لا يعامل كأنه كشف ضعف القائد.

ليس أخطر اجتماع ذلك الذي تتعارض فيه الآراء. أخطر الاجتماعات قد يكون أكثرها هدوءاً، حين يتفق الجميع بسرعة، ويخرج القائد مطمئناً إلى قرار لم يختبره أحد. فالقائد الذي لا يسمع إلا صوته قد يبدو قوياً أمام من حوله، لكنه يكون، في لحظة القرار، وحيداً أكثر مما يظن.

أخطر الاجتماعات قد يكون أكثرها هدوءاً


من التجربة إلى القيادة

تعلمت من هاتين التجربتين أن بناء بيئة تسمح بالاختلاف لا يبدأ من قواعد الاجتماع، بل من القائد نفسه. قبل أن يطلب من الآخرين أن يتحدثوا بصراحة، عليه أن يهذب نفسه وطريقته في الكلام، وأن يراقب أثر حضوره فيمن حوله، وأن يدرك أن سلطته تجعل كلماته أثقل مما يظن. قد يعتقد أنه يناقش فكرة عادية، بينما يسمعها الموظف توجيهاً نهائياً لا يملك مخالفته. وقد يرى حدة عبارته دليلاً على الجدية، بينما يراها الآخر إنذاراً بأن الصمت أكثر أماناً.

وأول ما يحتاج إليه القائد هو أن يتصالح مع حقيقة أنه ليس الخبير في كل شيء. وكلما اتسعت مسؤولياته، ازداد احتياجه إلى معرفة الآخرين، لا العكس. فالمنظمة لا تجمع المختصين حول القائد ليكرروا رأيه، بل ليضيف كل واحد منهم ما لا يعرفه، ويكشف ما لا يراه، وينبهه إلى المخاطر التي قد تحجبها عنه ثقته أو حماسه أو خبرته السابقة.

وحتى عندما يكون القائد هو الأكثر خبرة في الموضوع، فإن مسؤوليته لا تقتصر على تقديم الإجابة الصحيحة، بل تشمل بناء قدرة فريقه على الوصول إليها. وليس المطلوب أن يتظاهر بقلة المعرفة أو يخفي خبرته، بل أن يقلل من سطوة خبرته على النقاش. قد يكون من الأسرع أن يقول ما يعرفه منذ البداية، لكنه بذلك ينجز القرار ولا يبني العقول التي ستصنع القرارات من بعده. ولهذا يحتاج أحياناً إلى أن يؤخر رأيه، وأن يبدأ بالأسئلة، وأن يترك للمختصين فرصة كاملة لعرض فهمهم، ثم يضيف خبرته بعد أن يسمع ما لديهم.

القائد الواثق لا يحتاج إلى أن يثبت في كل اجتماع أنه الأكثر معرفة. يعرف متى يتكلم، ومتى يصمت، ومتى يترك أحد أعضاء فريقه يصل إلى النتيجة بنفسه. وقد يتنازل عن لذة أن يكون صاحب الإجابة الأولى، ليمنح الآخرين ثقة تجعلهم أقدر على التفكير والمبادرة وتحمل المسؤولية. وهذا التنازل لا يضعف مكانته، بل يحول خبرته من ظل يحجب من حوله إلى ضوء يساعدهم على الرؤية.

الثقة تُبنى بالمواقف لا بالعبارات

كما تعلمت أن الثقة لا تنشأ من عبارة يقولها القائد في بداية الاجتماع: تحدثوا بكل حرية. الثقة تبنى ببطء، من مواقف صغيرة ومتكررة. يبدي أحدهم رأياً مخالفاً، فيرى كيف يستقبله القائد. يكتشف خطأ في اقتراح الرئيس، فينتظر هل سيشكره أم يعاقبه. يقدم تحذيراً لا يرغب الآخرون في سماعه، فيراقب هل ستبقى مكانته محفوظة بعد انتهاء الاجتماع. ومن هذه المواقف يتعلم الفريق الحدود الحقيقية للكلام.

لهذا يجب أن يكون إيمان القائد بالنقاش نابعاً من قناعة حقيقية، لا من اتباع نهج إداري بطريقة آلية. فالقائد قد يسأل الجميع عن آرائهم لأنه تعلم أن هذا هو الأسلوب الصحيح، لكنه يكون قد حسم رأيه في داخله، وينتظر منهم أن يصلوا إليه. وقد يؤدي طقوس الاستماع كاملة، ثم يعامل الرأي المخالف بوصفه عائقاً يجب تجاوزه، لا معرفة يجب فحصها. والموظفون يدركون سريعاً الفرق بين قائد يريد أن يسمعهم، وقائد يريد فقط أن يبدو مستمعاً.

وبناء الثقة يستغرق وقتاً، ولا يمكن إصلاح سنوات من الخوف باجتماع واحد. إذا اعتاد الناس أن يدفعوا ثمن المخالفة، فسيترددون حتى بعد أن يتغير القائد أو تتغير طريقته. وعلى القائد أن يقبل أن الصمت الذي صنعته مواقف كثيرة لن تزيله كلمات قليلة، وأن يعيد بناء الأمان موقفاً بعد موقف، من خلال اتساق لا يتغير عندما يسمع ما لا يعجبه.

ولا تكتمل هذه البيئة بثقة الأفراد وحدها، بل يجب أن تتحول إلى ثقافة تحكم طريقة اتخاذ القرار في المنظمة. وهذه الثقافة تقوم، في نظري، على ثلاثة أمور مترابطة: جودة النقاش، وسرعة القرار، والإخلاص في التنفيذ.

جودة النقاش

جودة النقاش تعني أن تعرض الآراء بوضوح، وأن تناقش الافتراضات والمخاطر والبدائل قبل اعتماد القرار، وألا تكون مكانة المتحدث بديلاً عن قوة حجته. وهي لا تعني ارتفاع الأصوات أو إطالة الاجتماعات، بل أن يحصل الرأي المهم على فرصته، وأن يخرج القرار بعد أن اختبرت جوانبه الأساسية، لا بعد أن وافق عليه الجميع مجاملة أو خوفاً.

سرعة القرار

أما سرعة القرار فتعني ألا يتحول حق الاختلاف إلى باب لا ينتهي من الجدل. هناك وقت للاستماع، ووقت للحسم. وقد لا يصل الحاضرون إلى اتفاق كامل، لكن استمرار النقاش بعد ظهور المعلومات الأساسية قد يصبح هروباً من المسؤولية لا بحثاً عن الجودة. عندها يجب أن يتخذ صاحب الصلاحية قراره، وأن يعلن بوضوح ما تم اختياره، ولماذا اختير، ومن المسؤول عن تنفيذه.

الإخلاص في التنفيذ

ثم يأتي الإخلاص في التنفيذ. فمن حق القائد والموظف أن يدافعا عن رأيهما قبل صدور القرار، لكنهما بعد اعتماده لا يملكان أن ينفذاه بفتور حتى يثبتا أنه كان خاطئاً، أو أن يضعا العراقيل في طريقه لأن رأيهما لم يؤخذ به. الاختلاف الصادق قبل القرار لا يتعارض مع الالتزام الصادق بعده. وقد يكون من أعلى صور النضج المهني أن ينفذ الإنسان بإخلاص قراراً عارضه، ما دام نظامياً وأخلاقياً، وأن يمنحه فرص النجاح نفسها التي كان سيمنحها لرأيه الخاص.

وفي الوقت نفسه، يجب أن يكون صاحب القرار معروفاً، وأن تبقى مسؤوليته واضحة. فالنقاش مسؤولية مشتركة، لكن القرار لا يجوز أن يصبح بلا صاحب. يستفيد القائد من خبرة فريقه، ثم يحسم ويتحمل النتيجة. أما توزيع المسؤولية على الجميع لتجنب الحساب، فهو يضعف القرار ويظلم الفريق معاً.

يمكن للقائد أن يبدأ مراجعة نفسه بسؤال بسيط وصعب:

هل يصمت فريقي لأن قراري مقنع، أم لأن مخالفتي أصبحت مكلفة؟

ثم يسأل: ماذا حدث آخر مرة قال لي أحدهم إنني مخطئ؟ هل قربته لأنه كان أميناً، أم أبعدته لأنه أزعجني؟ فالإجابة التي يراها الموظفون في سلوكه أهم من كل ما يقوله لهم عن الأبواب المفتوحة وحرية الرأي.

ربما لا يحتاج القائد إلى من يخفف عنه وحدة المنصب بقدر ما يحتاج إلى أن يخفف هو من سطوة المنصب على من حوله، حتى يبقى بينهم من يستطيع أن يقول له ما لا يريد سماعه، ثم يقف معه بإخلاص عندما يحين وقت العمل.

اترك رد

Scroll to Top

اكتشاف المزيد من رجل ذو قلب خاص

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة