كان المشهد يتكرر أمامي في المطار.
مسافر يحمل كيساً من الأدوية، وآخر يمشي على عكاز، ورجل تدفعه ابنته على كرسي متحرك، وامرأة تضع نظارة داكنة بدا لي أنها خرجت حديثاً من إجراء طبي في عينيها. وإلى جوار كل واحد منهم مرافق يحمل الحقيبة والملفات، ويحاول أن يسبق التعب بخطوة.
كان كثير منهم قادماً إلى الرياض أو عائداً منها. لا أعرف قصصهم، ولا أستطيع الجزم بسبب رحلاتهم، لكن آثار العلاج كانت ظاهرة على بعض الوجوه والأجساد. عكاز، أو جبيرة، أو كيس يحمل اسم صيدلية، أو أوراق طبية يحتفظ بها صاحبها قريباً من صدره.
كنت أراهم خلال سنوات عملي في المطار، وأحاول أن أقدر ظروفهم. كنت أسأل نفسي: ماذا تعني المسافة بين بوابتين لرجل يمشي على عكاز؟ وكيف يشعر مريض أنهكه العلاج، ثم وجد أمامه إجراءات السفر والانتظار وطول الممرات؟
كنت أظن أنني أفهمهم.
لكنني، في الحقيقة، كنت أرى ما يظهر أمامي فقط.
لم أفهمهم كما ينبغي إلا حين اقترب الألم مني.
كثرت زياراتي للمستشفيات في الفترة الماضية. دخلتها مرة مرافقاً لوالدتي، ومرة مراجعاً من أجل نفسي. وفي كل زيارة كنت أرى المكان بصورة مختلفة. لم تعد المستشفيات في نظري غرفاً وأجهزة ومواعيد. أصبحت أماكن تمتلئ بقصص لا يقول أصحابها منها إلا القليل.
حين مرضت والدتي، دخلت المستشفى وأنا أحاول أن أؤدي دور الابن المسؤول. أتابع الأطباء، وأسأل عن الفحوصات، وأحفظ ما يقال لي، وأحاول أن أبدو مطمئناً أمامها.
لكنني لم أكن مطمئناً.
كل تغير في وجهها كان يفتح في ذهني باباً من الخوف. وكل كلمة يقولها الطبيب كانت تبدو أكبر من معناها المباشر. كنت أراقب التفاصيل الصغيرة، وأبحث فيها عن علامة تطمئنني، ثم أخفي قلقي حتى لا يصل إليها.
كنت أحتاج إلى من يهدئني، بينما كان المطلوب مني أن أكون أنا مصدر الهدوء.
وفي تلك الأيام فهمت أن المرافق ليس واقفاً خارج المرض. صحيح أن الألم لا يسكن جسده، لكنه يسكن تفكيره. هو الذي يسأل ويتابع ويطمئن أفراد الأسرة، ثم يبقى وحده مع احتمالاته حين يسكت الجميع.
قد يكون المريض مستلقياً على سريره، بينما يقف المرافق بجانبه ثابتاً في الظاهر، تتزاحم في داخله أسئلة لا يجرؤ على قولها.
ثم أصبحت أنا المريض.
كان الأثر في جسمي صغيراً في موضعه، لكنه اتسع حتى شغل يومي كله. أثر في جلوسي وحركتي ونومي، وجعل أموراً كنت أفعلها من غير تفكير تحتاج إلى حساب واستعداد.
لم تكن حالتي خطيرة. وكنت أعرف أن غيري يمر بما هو أصعب منها بكثير. لكن الألم لا يحتاج دائماً إلى أن يكون خطيراً حتى يكشف ضعف الإنسان.
كنت أمشي وأجلس وأتنقل من غير أن أفكر في قيمة هذه الأفعال. ثم جاء الألم، فأصبحت أبحث عن الوضع الأقل إزعاجاً، وأحسب الوقت الذي أستطيع فيه الجلوس، وأؤجل بعض أموري لأن جسدي لم يعد يتعاون معي كما اعتدت.
عندها أدركت أن الإنسان قد يبدو قوياً، وأن حياته قد تبدو مستقرة، ثم يربكه جزء صغير من جسده.
وأدركت أيضاً أن الألم لا يبقى في موضعه. يمتد إلى المزاج، والصبر، والنوم، وطريقة استقبال الناس. وقد يجعل الشخص أقل قدرة على الاحتمال، أو أكثر حساسية لكلمة عابرة، أو أسرع غضباً مما يعرفه عن نفسه.
هذا لا يبرر الإساءة، لكنه يجعل الحكم على الناس أكثر صعوبة.
بدأت أنظر إلى الوجوه في المستشفى بطريقة مختلفة. الرجل الصامت في زاوية الانتظار لم يعد مجرد رجل ينتظر دوره. قد يكون في انتظار نتيجة يخشى سماعها. والمرأة التي تكرر سؤالها على الموظف قد لا تكون راغبة في إزعاجه، بل عاجزة عن احتمال مزيد من الغموض. والمسن الذي يمشي ببطء قد لا يحتاج فقط إلى من يدله على الغرفة، بل إلى من يحفظ له كرامته وهو يشعر أن جسده لم يعد يطيعه.
وأحياناً يكون أكثر الناس تعباً هو الشخص الذي لا تظهر عليه علامة مرض.
قد يكون المرافق الذي يحمل الحقيبة، أو الابن الذي يجيب عن اتصالات الأسرة، أو الزوجة التي تحاول أن تبدو قوية حتى لا تزيد خوف من تحب. لكل واحد منهم دور يؤديه، ومشاعر يؤجلها إلى وقت لا يراه فيه أحد.
حين جلست في ممرات المستشفى، عادت إلي وجوه رأيتها من قبل في المطار.
رأيت العكازات نفسها، والنظارات الداكنة، والأكياس التي تحمل الأدوية، والمرافق الذي يمشي إلى جانب المريض وهو يحاول أن يجعل الرحلة أخف عليه. اختلف المكان، لكن التعب في الوجوه كان متشابهاً.
هناك فقط فهمت أن كثيراً ممن عبروا أمامي لم يكونوا يعيشون رحلة عادية.
كانت لديهم تذاكر، وأمتعة، وبطاقات صعود، لكن ما يشغلهم ربما لم يكن موعد الرحلة أو رقم البوابة. قد يكون أحدهم عائداً بعد فحص مطمئن، وقد يكون آخر يحمل تشخيصاً لم يستوعبه بعد. وقد يكون شخص ثالث قادماً إلى الرياض للمرة الأولى، لا لزيارتها، بل بحثاً عن علاج يمنحه شيئاً من الأمل.
لم أكن أعرف قصصهم آنذاك، ولا أعرفها الآن. لكنني صرت أكثر وعياً بأن ما يظهر أمامنا ليس الحكاية كلها.
وهذا الإدراك غير نظرتي إلى الخدمة نفسها.
فالموظف في المستشفى قد يرى الحالة ذاتها مرات كثيرة في يوم واحد، لكن المريض يعيشها للمرة الأولى. وموظف المطار قد يرى آلاف المسافرين، لكن الشخص الواقف أمامه قد يكون في رحلة غيّرت معنى السفر كله في حياته.
ما يبدو إجراءً يومياً لدى الموظف قد يكون لحظة ثقيلة جداً عند من يتلقاه.
ولهذا لا تكفي سرعة الإجراء وحدها. ولا يكفي أن يصل المسافر إلى بوابته، أو أن ينتهي المريض من موعده. هناك شيء آخر يصعب وضعه في الأنظمة والأرقام، لكنه يبقى في ذاكرة الإنسان طويلاً: كيف عومل حين كان ضعيفاً؟
هل وجد من يشرح له بهدوء؟
هل شعر أن أحداً انتبه إلى تعبه؟
هل اضطر إلى طلب المساعدة مرات كثيرة، أم أن شخصاً بادر إليها قبل أن يطلبها؟
هذه التفاصيل قد تبدو صغيرة عند من يقدم الخدمة، لكنها ليست صغيرة عند من جاء وهو يحمل ألماً أو خوفاً.
كنت أظن أنني أرى هؤلاء الناس من قبل، وربما كنت صادقاً في محاولتي. لكن التجربة جعلتني أرى ما هو أبعد من العلامات الظاهرة. جعلتني أقل ثقة في أحكامي السريعة، وأكثر استعداداً لأن أترك مساحة لقصة لا أعرفها.
فالألم لا يمنح الإنسان معرفة كاملة بالآخرين، ولا يجعله أرق منهم أو أفضل. لكنه قد يزيل عنه شيئاً من الغفلة. يذكره بأن الضعف ليس حالة بعيدة تصيب غيره، وبأن الجسد الذي يعتمد عليه كل يوم قد يتعب، وأن الشخص القوي قد يحتاج في لحظة ما إلى كلمة هادئة أو يد تساعده.
وما زلت إلى اليوم أرى في المطار مسافراً يحمل بطاقة صعوده في يد، وكيس دوائه في اليد الأخرى.
لا أعرف قصته.
لكنني صرت أعرف أن الرحلة المكتوبة على بطاقته ليست الرحلة كلها.